رفيق العجم
738
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
والأعصار والأمم كما نرى الشرائع مختلفة فكيف تجوز فيها الأدلّة العقلية القاطعة ، وإن ادّعاها عن دليل عقلي مفيد لا لظنّ فالفقهاء كلّهم لهم هذه الرتبة فاستبان أن ما ذكروه تلبيس بعيد عن التحقيق ، وإن العامّي المنخدع به في غاية العمى لأنهم يلبسون على العوامّ بأن علماءكم يتّبعون الظنّ وإن الظنّ لا يغني عن الحق شيئا . والفقهيات لا بدّ فيها من اتّباع الظنّ فهو ضروري ، كما في التجارات والسياسات وفصل الخصومات للمصالح فإن كلّ الأمور المصلحية يبنى على الظنّ ، والمعصوم كيف يغني عن هذا الظنّ وصاحب المعجزة لم يغن عنه ولم يقدر عليه بل أذن في الاجتهاد وفي الاعتماد على قول آحاد الرواة عنه وفي التمسّك بعمومات الألفاظ ، وكلّ ذلك ظنّ عمل به في عصره مع وجوده فكيف يستقبح ذلك بعد وفاته . ( فض ، 26 ، 18 ) - قولهم ( الباطنية ) إذا ثبت أن المعصوم لا بدّ أن يصرّح فإذا لم يكن في العالم إلّا مصرّح واحد كان هو ذلك المعصوم ، لأنّه لا خصم له ولا ثاني له في الدعوى حتى يعسر التمييز ، فهذه فاسدة من وجهين : أحدهما أنّهم بماذا عرفوا أنّه لا مدّعي للعصمة ولا مصرّح بها في أقطار العالم سوى شخص واحد ، فلعلّ في أقصى الصين أو في أطراف المغرب من يدّعي شيئا من ذلك ، وانتفاء ذلك ممّا لا يعرف ضرورة ولا نظرا ، فإن قيل يعرف ذلك ضرورة إذ لو كان لانتشر لأن مثل هذا تتوافر الدواعي على نقله - قلنا يحتمل أنه كان ولم ينتشر إلى بلادنا مع بعد المسافة ، لأن المدّعي له ليس يتمكّن من ذكره إلّا مع سوسه وصاحب سرّه وحوله جماعة من أعدائه فيفزع من إظهار السرّ وإفشائه ويرى المصلحة في إخفائه أو هو مفش له ، ولكنّ المستمعين له ممنوعون عن الانتشار في البلاد وإخبار العباد به لأنّهم محاصرون من جهة الأعداء مضطرّون إلى ملازمة الوطن خوفا من نكاية المستولين عليهم ، فما الذي يبطل هذا الاحتمال وهو أمر قدّر قريبا أو بعيدا فهو ممكن ليس من قبيل المحالات ، وأنتم تدّعون القطع فيما توردون فكيف يصفو القطع مع هذا الاحتمال . الوجه الثاني في إفساد هذه المقدّمة هو أنكم ظننتم أنه لا يدّعي العصمة في العالم سوى شخص واحد وهو خطأ ، فإنّا بالتواتر نتسامع بمدّعيين : أحدهما في جيلان ، فإنها لا تنفكّ قطّ عن رجل يلقّب نفسه بناصر الحقّ ويدّعي لنفسه العصمة وأنّه نازل منزلة الرسول ، ويستغرر الحمقى من سكّان ذلك القطر إلى حدّ يقطّعهم جوانب الجنّة مقدّرا بالمساحة ويضايق في بعضهم إلى حدّ لا يبيع ذراعا من الجنّة إلا بمائة دينار ، وهم يحملون إليه ذخائر الأموال ويشترون منه مساكن في الجنّة فهذا أحد الدعاة ، فبم عرفتم أنه مبطل ، وإذ قد تعدّد المدّعي ولا مرجّح إذ لا معجزة فلا تظنّوا أن الحماقة مقصورة عليكم وأن هذه الكلمة لا ينطق بها إنسان غيركم ، بل التعجّب من ظنّكم أن هذه